هل ينهي إلغاء الفحص الجزافي أزمة ضرائب المشروعات الصغيرة؟
هل نحن أمام نقطة تحول حقيقية في ملف ضرائب المشروعات الصغيرة؟
التحرك الأحدث من مصلحة الضرائب المصرية أعاد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية لأصحاب المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر: ملف الفحص الجزافي أو المحاسبة التقديرية. ففي 17 سبتمبر 2026 أعلنت رشا عبد العال، رئيس مصلحة الضرائب المصرية، إلغاء المادة 18 من قانون الضريبة على الدخل ضمن التعديلات التشريعية الأخيرة، وهي المادة التي كانت تمثل الغطاء التشريعي لإصدار تعليمات نسب صافي الربح والمحاسبة التقديرية والجزافية. ووصفت المصلحة الخطوة بأنها تستهدف القضاء نهائيًا على أسباب المنازعات الناتجة عن التقديرات الجزافية، مع الاعتماد بدلًا من ذلك على الفحص الإلكتروني والمستندي القائم على الفواتير والإيصالات الرقمية.
الأهمية هنا لا تتعلق فقط بإلغاء مادة قانونية، بل بربط هذا الإلغاء بمسار أوسع تقوده المصلحة منذ 2025، يقوم على دمج أصحاب الأنشطة التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه داخل نظام مبسط وواضح، بدلًا من بقائهم في منطقة رمادية بين الاقتصاد غير الرسمي والتقدير الجزافي. هذا الربط ظهر بوضوح في دعوة رشا عبد العال أصحاب المشروعات الصغيرة إلى الاستفادة من القانون رقم 6 لسنة 2025 باعتباره البديل الميسر للاندماج في المنظومة الرسمية.
ما الذي تغيّر فعليًا بعد إعلان مصلحة الضرائب المصرية؟
بحسب بيان المصلحة، فإن استمرار العمل بالتعليمات الحالية سيكون على الفترات الضريبية حتى 2027، بينما يبدأ التطبيق الفعلي الكامل للالتزام بالدفاتر والسجلات المنتظمة والمنظومات الرقمية اعتبارًا من الفترة الضريبية 2028. بمعنى آخر: الإلغاء تم تشريعيًا الآن، لكن التطبيق العملي الكامل سيأتي على مراحل حتى لا يتحول الانتقال المفاجئ إلى عبء على الممولين أو الإدارات الضريبية.
وفي البيان نفسه، أكدت رشا عبد العال أن الحد الأدنى لإمساك الدفاتر، الذي كان محددًا سابقًا عند 500 ألف جنيه، جرى إلغاؤه، ليصبح كافة الممولين ملتزمين قانونًا بإمساك دفاتر وسجلات منتظمة. هذه هي النقطة الفاصلة فعلًا: فبدلًا من تقسيم السوق بين ممولين “على دفاتر” وآخرين يخضعون لمعايير تقديرية، تتجه الدولة إلى قاعدة موحدة تعتمد على المستندات والبيانات الرقمية.
أين يقف القانون 6 لسنة 2025 في هذه المعادلة؟
القانون رقم 6 لسنة 2025، المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 12 فبراير 2025، يخص المشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه، سواء كانت مسجلة ضريبيًا وقت العمل به أو غير مسجلة، بما يشمل أيضًا الأنشطة المهنية. ويحدد القانون حجم الأعمال استنادًا إلى بيانات الربط الضريبي أو الإقرارات أو البيانات المتاحة من منظومتي الفاتورة الإلكترونية والإيصال الإلكتروني.
الأهم أن القانون لا يقدم مجرد “تخفيضات” ضريبية، بل يبني نظامًا ضريبيًا مبسطًا له قواعد مستقرة. النسبة الضريبية على الدخل تُحتسب وفق حجم الأعمال فقط، وتبدأ من 0.4% للمشروعات التي يقل حجم أعمالها السنوي عن 500 ألف جنيه، ثم 0.5% حتى أقل من 2 مليون جنيه، و0.75% حتى أقل من 3 ملايين جنيه، و1% حتى أقل من 10 ملايين جنيه، وتصل إلى 1.5% للمشروعات التي يبلغ حجم أعمالها من 10 ملايين إلى ما لا يجاوز 20 مليون جنيه.
هذا التدرج هو السبب في أن المصلحة تصف القانون باعتباره أداة لتحقيق العدالة الضريبية، لأن الضريبة هنا مرتبطة بحجم الأعمال لا بتقديرات نسب أرباح قد تختلف من مأمورية إلى أخرى. كما أكدت المصلحة في أغسطس 2025 أن هذا النظام قانون دائم وليس مبادرة مؤقتة، وهو ما يمنح أصحاب الأعمال قدرة أفضل على التخطيط طويل الأجل.
لماذا قد يكون إلغاء الفحص الجزافي نقطة فاصلة فعلًا؟
على مدار سنوات، كانت المحاسبة الجزافية من أكثر الملفات المثيرة للنزاع بين الممولين والمصلحة، خصوصًا لدى الأنشطة الصغيرة التي لا تمتلك نظمًا محاسبية قوية. لذلك فإن إلغاء المادة 18 يحمل دلالة تتجاوز الجانب القانوني: الدولة تقول بوضوح إنها تريد نقل العلاقة مع الممول من التقدير إلى البيانات. هذا التحول يتماشى مع توسع منظومات الفاتورة الإلكترونية والإيصال الإلكتروني، ومع توجه أوسع لرقمنة الإدارة الضريبية.
ومن زاوية أصحاب المشروعات الصغيرة، تبدو الجاذبية أكبر عندما تُقارن المتطلبات بالمزايا. فالقانون 6 لسنة 2025 يمنح إعفاءً من الفحص الضريبي لمدة خمس سنوات من تاريخ طلب الاستفادة، ويعفي المشروعات الخاضعة له من ضريبة الدمغة، ورسم تنمية الموارد المالية للدولة، ورسوم التوثيق والشهر العقاري على عقود التأسيس وتسجيل الأراضي اللازمة للنشاط، كما يعفي أرباح التصرف في الأصول الثابتة داخل النشاط من الضريبة، ويعفي توزيعات الأرباح الناتجة عن نشاط المشروع من الضريبة المقررة عليها.
كذلك ينص القانون على أن فحص الإقرارات للمشروعات المنضمة إليه يكون بعد مضي خمس سنوات من تاريخ طلب الاستفادة، وعلى مستوى ضريبة الدخل والقيمة المضافة. كما يخفف الالتزامات الإجرائية عبر تقديم إقرار القيمة المضافة كل ثلاثة أشهر بدلًا من وتيرة أكثر تكرارًا، مع نموذج مستقل للإقرار السنوي، وعدم الخضوع لنظام الخصم أو الدفعات المقدمة تحت حساب الضريبة.
وماذا عن الدفاتر المنتظمة؟ هل هي عبء جديد أم مدخل للاستقرار؟
السؤال الأكثر تداولًا بين أصحاب الأعمال في مصر الآن ليس فقط: “هل انتهى الجزافي؟” بل أيضًا: “هل سنقدر على الالتزام بالدفاتر؟”. هنا تحاول المصلحة تقديم صورة أقل تعقيدًا. فقرار وزير المالية رقم 420 لسنة 2025 أوضح أن الالتزامات الخاصة بالمستفيدين من النظام المبسط تشمل حدًا أدنى من السجلات والدفاتر والمستندات، هي: سجل الأصول الثابتة، سجل مخزون الخامات، دفتر يومية المبيعات، دفتر يومية المشتريات، دفتر ملخص الضريبة، مع الاعتماد على الفاتورة الإلكترونية أو الإيصال الإلكتروني بحسب الأحوال، ويجوز إمساك هذه الدفاتر والسجلات في صورة إلكترونية أو ورقية.
هذه التفاصيل مهمة لأنها تعني أن الانتقال إلى الدفاتر المنتظمة لا يفترض بالضرورة نظامًا محاسبيًا معقدًا أو تكلفة إدارية ضخمة على كل مشروع. بل إن المصلحة نفسها قالت إن هذه المتطلبات تمثل الحد الأدنى الذي يضمن عدم وجود أعباء إجرائية على الممولين. كما أشارت في أغسطس 2025 إلى توفير دعم فني وتقني مجاني للانضمام إلى المنظومات الإلكترونية، وإتاحة أجهزة ونقاط بيع إلكترونية وخدمات استشارية مستمرة.
لكن أين التحدي الحقيقي؟
رغم الإشارات الإيجابية، يظل نجاح التحول مرهونًا بثلاثة عوامل. أولًا، الوعي: كثير من المشروعات الصغيرة لا تزال تخلط بين التسجيل الضريبي الكامل وبين الدخول في نزاع فوري مع المصلحة، بينما حملة «نقطة ومن أول السطر» التي أطلقتها المصلحة في مارس 2025 ركزت على فكرة أن الانضمام للنظام المبسط يتم دون محاسبة على الفترات السابقة لغير الموجودين في قاعدة البيانات، وفق مبدأ «عفا الله عما سلف».
ثانيًا، القدرة الفنية: التحول من المحاسبة التقديرية إلى الفحص المستندي والرقمي يحتاج تدريبًا للممولين ولمحاسبيهم، خصوصًا في قطاعات التجزئة والخدمات الصغيرة والمهن الحرة. وثالثًا، الالتزام المرحلي: لأن التطبيق الكامل للدفاتر المنتظمة يبدأ من 2028، فالفترة بين الآن وهذا التاريخ يجب أن تُستثمر في توسيع القاعدة الرقمية لا في مجرد الإعلان عن الإصلاح.
الخلاصة: هل هذه نقطة فاصلة فعلًا؟
نعم، يمكن القول إن إلغاء «الفحص الجزافي» قد يتحول إلى نقطة فاصلة للمشروعات الصغيرة في مصر، لكن ليس لمجرد إلغاء مادة قانونية، بل لأنه يتكامل مع مسار تشريعي وتنفيذي أوسع تقوده مصلحة الضرائب المصرية بقيادة رشا عبد العال. المعادلة الجديدة واضحة: دفاتر منتظمة + منظومات رقمية + ضريبة مبسطة + إعفاءات محددة + فحص مؤجل لخمس سنوات. وإذا نجحت المصلحة في تحويل هذه المعادلة من نصوص إلى ممارسة سهلة ومفهومة، فقد نشهد بالفعل انتقال شريحة كبيرة من الأنشطة الصغيرة إلى الاقتصاد الرسمي بثقة أكبر وكلفة نزاع أقل.
أما الرسالة العملية لأصحاب المشروعات الصغيرة اليوم، فهي أن نافذة التكيف قد فُتحت بالفعل: من لا يتجاوز حجم أعماله 20 مليون جنيه لديه الآن إطار قانوني واضح، ومزايا ملموسة، ومساحة زمنية قبل بدء التطبيق الكامل في 2028. والسؤال لم يعد هل تتجه الدولة لإنهاء الجزافي، بل كيف يستعد كل مشروع من الآن ليستفيد من النظام الجديد بدلًا من أن يفاجأ به لاحقًا.