الإقتصادي

هيمنة جولدمان ساكس على صفقات EMEA تفتح شهية المستثمرين

جولدمان ساكس يتصدر سباق الاندماج والاستحواذ في EMEA

دخل بنك جولدمان ساكس النصف الثاني من عام 2026 وهو في موقع الصدارة داخل سوق الاندماج والاستحواذ في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا (EMEA)، مستفيداً من عودة الزخم إلى الصفقات الكبرى بعد فترة من الحذر امتدت عبر الأسواق العالمية. وتأتي هذه الهيمنة في وقت تشير فيه بيانات الأسواق الدولية إلى انتعاش واضح في نشاط الاستحواذات، مدفوعاً بتراجع بعض القيود التنظيمية في أسواق رئيسية، وتوافر التمويل، ورغبة الشركات في إعادة تشكيل محافظها وأعمالها لمواكبة التحولات السريعة، خصوصاً في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والبنية التحتية.

وبحسب تقارير منشورة استندت إلى بيانات LSEG وDealogic، نجح جولدمان ساكس في إدارة أكثر من تريليون دولار من صفقات الاندماج والاستحواذ المعلنة عالمياً حتى منتصف يونيو 2026، وهو إيقاع قياسي لأي بنك استثماري خلال نصف عام. كما أشار ديفيد سولومون، الرئيس التنفيذي للبنك، إلى أن أحجام الاندماج والاستحواذ عالمياً تجاوزت 2.6 تريليون دولار في ذلك التوقيت، قبل أن تُظهر تحديثات لاحقة من رويترز وLSEG أن القيمة العالمية للنشاط قفزت إلى نحو 2.8 تريليون دولار بنهاية النصف الأول من العام. وهذا يعكس اتساع الموجة الحالية، لا سيما مع صعود الصفقات العملاقة التي تتجاوز قيمة الواحدة منها 10 مليارات دولار.

لماذا ارتفعت الصفقات بهذه القوة؟

اللافت أن الانتعاش الحالي لم يأتِ فقط من صفقات الاستحواذ التقليدية، بل أيضاً من عمليات إعادة هيكلة الشركات وفصل الأنشطة وبيع الأصول غير الأساسية. ووفقاً لبيانات رويترز المستندة إلى LSEG، بلغ عدد الصفقات العملاقة فوق 10 مليارات دولار نحو 47 صفقة خلال النصف الأول من 2026، بقيمة إجمالية تجاوزت 1.3 تريليون دولار، أي ما يقارب نصف حجم السوق العالمية تقريباً. في المقابل، تراجع العدد الإجمالي للصفقات المعلنة بنحو 9% إلى قرابة 24 ألف صفقة، ما يعني أن السوق باتت تعتمد بشكل أكبر على العمليات الضخمة لا على الكم وحده.

هذا التغيير مهم للمستثمرين في مصر والمنطقة، لأن ارتفاع قيمة الصفقات الكبرى غالباً ما يكون مؤشراً على تحسن شهية المخاطرة لدى المؤسسات الدولية، وعلى استعداد البنوك لترتيب تمويلات أضخم وأكثر تعقيداً. كما أن عودة النشاط في EMEA تعني أن الشرق الأوسط وأفريقيا ضمن الخريطة النشطة لرؤوس الأموال العابرة للحدود، وليس فقط أوروبا الغربية.

أين تقف مصر من موجة الاستحواذات؟

رغم أن خبر الصدارة يخص بنكاً أمريكياً وسوقاً إقليمية واسعة، فإن انعكاساته تهم القارئ المصري مباشرة، لأن السوق المصرية تعيش بالفعل مرحلة نشطة في ملفات الاستحواذات والصفقات الخاصة. وخلال 2026 برزت عدة تطورات محلية تؤكد أن مصر لا تقف خارج هذه الموجة. فمن جهة، أفادت تقارير محلية بأن مصر شهدت 8 صفقات استحواذ بقيمة 22 مليون دولار خلال الربع الأول من 2026، في إشارة إلى استمرار اهتمام المستثمرين بفرص السوق المحلية، حتى مع تباين أحجام الصفقات بين القطاعات.

ومن جهة أخرى، تصدرت صفقة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع المشهد المحلي بعد إعلان الهيئة العامة للرقابة المالية في 11 يونيو 2026 إيداع مشروع عرض شراء إجباري مقدم من شركة Black Caspian Logistics Holding Limited للاستحواذ على النسبة المكملة حتى 90% من أسهم الشركة. وبلغ سعر العرض 27.47 جنيهًا للسهم، بينما قُدرت القيمة الإجمالية المحتملة للصفقة بنحو 57.8 مليار جنيه، لتصبح أكبر صفقة شراء معلنة في السوق المصرية خلال 2026 حتى الآن.

وتزداد أهمية هذه الصفقة لأنها ترتبط بقطاع اللوجستيات والموانئ، وهو من أكثر القطاعات المصرية جذباً للاستثمارات الإقليمية في السنوات الأخيرة. كما أن الشركة المستهدفة تُعد من الأسماء الثقيلة في البورصة المصرية، ما يضع الصفقة تحت متابعة واسعة من المستثمرين ومديري الأصول والمحللين.

ماذا تعني هيمنة جولدمان ساكس لمصر والمنطقة؟

هيمنة جولدمان ساكس على ترتيب صفقات EMEA لا تعني فقط تفوق بنك بعينه، بل تكشف أيضاً عن طبيعة المرحلة المقبلة في أسواق رأس المال. فحين تتصدر مؤسسة عالمية بهذا الحجم المشهد، يكون ذلك عادة انعكاساً لثلاثة اتجاهات رئيسية:

  • عودة الثقة في الصفقات الكبرى بعد فترة من التردد بسبب التضخم وارتفاع الفائدة والتوترات الجيوسياسية.
  • تزايد دور المستشارين الدوليين في الصفقات العابرة للحدود، خاصة في القطاعات التي تحتاج هياكل تمويل معقدة.
  • انتقال المنافسة إلى الجودة والقيمة وليس مجرد عدد الصفقات، وهو ما يظهر بوضوح في هيمنة الصفقات العملاقة على المشهد العالمي.

بالنسبة لمصر، يفتح ذلك باباً مهماً أمام بنوك الاستثمار المحلية والإقليمية، مثل إي إف جي هيرميس وغيرها، لتعزيز حضورها في الصفقات المرتبطة بالأصول الاستراتيجية والطروحات والشراكات الصناعية. وكانت إي إف جي هيرميس قد أعلنت في يونيو 2026 دورها الاستشاري في شراكة بين MIH ومصر للألومنيوم وTrafigura لتوسعة مصهر ألومنيوم بطاقة 300 ألف طن سنوياً، وهو مثال على أن السوق المصرية لا تتحرك فقط عبر عروض الشراء، بل أيضاً عبر شراكات رأسمالية وصناعية طويلة الأجل.

زخم EMEA لا يلغي التحديات

ورغم الصورة الإيجابية، فإن الطريق ليس خالياً من التحديات. فلا تزال أسعار الفائدة العالمية، وتقلبات العملات، وحساسية التقييمات، عناصر مؤثرة في قرار تنفيذ الصفقات. كما أن السلطات الرقابية في مختلف الدول أصبحت أكثر تدقيقاً في التركزات الاقتصادية، وهو ما يظهر أيضاً في مصر عبر دور الرقابة المالية وجهاز حماية المنافسة في مراجعة ملفات الاستحواذ قبل استكمالها.

كذلك، فإن جزءاً من الزخم الحالي يعتمد على استمرار قدرة الشركات على تبرير تقييمات مرتفعة، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية. وإذا تراجعت هذه التقييمات أو زادت الاضطرابات الجيوسياسية، فقد يتباطأ الإيقاع في النصف الثاني من العام. لكن حتى الآن، تشير الأرقام المتاحة إلى أن 2026 يسير ليكون واحداً من أقوى الأعوام في نشاط الاندماج والاستحواذ منذ طفرة 2021.

الخلاصة للمستثمر المصري

ما يحدث في EMEA ليس خبراً بعيداً عن القاهرة. فكلما تحسنت شهية المؤسسات الدولية للصفقات الكبرى، زادت فرص تدفق رؤوس الأموال إلى الأسواق القادرة على تقديم أصول جذابة وقصص نمو واضحة. ومصر، بما تملكه من شركات مدرجة في قطاعات النقل والصناعة والخدمات المالية والطاقة، تظل مرشحة للاستفادة من هذا المناخ، خاصة إذا استمر الزخم التنظيمي والاستثماري الحالي.

لذلك، فإن تصدر جولدمان ساكس مشهد الاندماج والاستحواذ في النصف الأول من 2026 ليس مجرد إنجاز مصرفي دولي؛ بل هو إشارة أوسع إلى أن سوق الصفقات في المنطقة يدخل مرحلة أكثر نشاطاً وانتقائية، قد تحمل معها فرصاً مهمة للشركات المصرية والمستثمرين في البورصة على حد سواء.