هيئة بريطانية تضغط على البنوك لتسهيل الحسابات الأساسية
ضغوط تنظيمية على البنوك البريطانية بسبب الحسابات الأساسية
تواجه مجموعة من أكبر البنوك البريطانية موجة تدقيق جديدة بعد أن أعلنت هيئة السلوك المالي البريطانية في 7 يوليو 2026 أن مراجعتها الأخيرة كشفت ممارسات غير مرضية في إتاحة الحسابات المصرفية الأساسية للعملاء الذين يحتاجونها، وعلى رأسهم أصحاب الظروف المالية الصعبة والأشخاص الذين لا يملكون مستندات تقليدية كاملة أو عنوانًا ثابتًا. وتكتسب القضية أهمية خاصة لأنها تمس منتجًا مصرفيًا صُمم أصلًا لدعم الشمول المالي وتقليل الاستبعاد من الخدمات البنكية.
الهيئة أوضحت أن تسع مؤسسات مصرفية وبنكية كبرى في المملكة المتحدة ملزمة قانونًا بتقديم هذه الحسابات، وهي: Barclays UK، وThe Co-operative Bank، وHSBC UK، وLloyds Banking Group بما يشمل علامتي Halifax وBank of Scotland، وNationwide Building Society، وNatWest Group بما يشمل Royal Bank of Scotland وUlster Bank، وSantander UK، وTSB، وVirgin Money UK التي أصبحت علامة تابعة لـ Nationwide. هذه الحسابات تُقدم دون رسوم على العمليات الأساسية ودون تسهيلات سحب على المكشوف، بما يجعلها مناسبة لعملاء قد لا يستطيعون الحصول على حساب جارٍ تقليدي.
ماذا كشفت المراجعة؟
بحسب الهيئة، أظهر اختبار ميداني من نوع mystery shopping أن نحو ثلث التجارب المرتبطة بالحسابات الأساسية صُنّف على أنه ضعيف أو ضعيف جدًا. المشكلة لم تكن فقط في جودة الخدمة، بل في أن بعض البنوك لم تعرض هذا النوع من الحسابات بشكل واضح على العملاء الذين يمكن أن يستفيدوا منه، ودفعت بعضهم إلى مسارات تقديم رقمية لا تناسب ظروفهم، خاصة من يعانون محدودية الوصول إلى الإنترنت أو صعوبات في استخدام التكنولوجيا.
وذكرت الهيئة أن أوجه القصور ظهرت بصورة أوضح لدى فئات بعينها، مثل من يمرون بضائقة مالية، أو من ليست لديهم أوراق إثبات هوية معتادة، أو الأشخاص بلا عنوان سكني ثابت. وفي كثير من الحالات، لم يُذكر خيار الحساب الأساسي من الأساس في نقطة التواصل الأولى، وهو ما قد يدفع العميل للانسحاب من الطلب أو الاعتقاد بأنه غير مؤهل للخدمة.
لماذا يهم هذا التطور لقطاع البنوك؟
الملف لا يتعلق فقط بحماية المستهلك، بل يطال أيضًا سمعة البنوك ونماذج الامتثال والتوزيع لديها. فحين تكشف الجهة المنظمة أن المؤسسات لا تقدم منتجًا إلزاميًا بالشكل المناسب، فإن الرسالة الموجهة إلى السوق تكون أوسع من منتج بعينه: هناك خلل في تصميم رحلة العميل، وفي تدريب الموظفين، وفي كيفية التعامل مع الشرائح الأضعف. وهذا النوع من الملاحظات قد يفرض على البنوك استثمارات إضافية في القنوات التشغيلية، وخدمة العملاء، وسياسات التحقق من الهوية، والامتثال لمتطلبات حماية المستهلك.
ومن زاوية أعمال، فإن تحسين الوصول إلى الحسابات الأساسية لا يُنظر إليه عادة باعتباره محركًا مباشرًا للربحية، لكنه عنصر مهم في الاستدامة التنظيمية وإدارة المخاطر غير المالية. كما أن الإخفاق في هذا الملف قد يفتح الباب لمزيد من التدقيق على منتجات أخرى موجهة للأفراد، خصوصًا في ظل تشدد الجهات الرقابية البريطانية في السنوات الأخيرة بشأن معاملة العملاء في الظروف الهشة.
ما الذي ستفعله البنوك الآن؟
بحسب بيان الهيئة، التزمت المؤسسات التسع بإجراء تحسينات عملية لتسهيل الوصول إلى الحسابات الأساسية. ويركز مسار الإصلاح على إزالة العوائق غير الضرورية من رحلة فتح الحساب، والتأكد من أن العملاء يفهمون الخيارات المتاحة لهم، وتوفير بدائل مناسبة عندما لا تكون القنوات الرقمية الخيار الملائم. كما شددت الهيئة على ضرورة رصد مؤشرات الهشاشة مبكرًا وتقديم مسارات أكثر إتاحة بدلًا من الاكتفاء بإحالة العميل إلى نموذج إلكتروني.
- تحسين الإفصاح: عرض الحسابات الأساسية بوضوح ضمن الخيارات المتاحة للعملاء المؤهلين.
- بدائل غير رقمية: توفير مسارات مساعدة خارج القنوات الإلكترونية البحتة.
- التعامل مع الهوية والعنوان بمرونة منضبطة: خاصة للحالات غير التقليدية المسموح بها تنظيميًا.
- تدريب الموظفين: حتى يتمكنوا من توجيه العميل إلى المنتج المناسب من أول تواصل.
امتداد لمراجعات أقدم ومشكلة لم تُحسم بالكامل
اللافت أن هذه ليست المرة الأولى التي تثير فيها الهيئة الملف. ففي مراجعة منشورة عام 2020، قالت الهيئة إن أكثر من مليون شخص في المملكة المتحدة كانوا بلا حساب مصرفي، وإن أكثر من 60% من هؤلاء لم يكونوا على دراية بالحسابات الأساسية. كما أشارت وقتها إلى أن بعض البنوك كانت تؤخر عرض الحساب الأساسي إلى مراحل متأخرة من الطلب، أو تربطه عمليًا بفشل العميل في اجتياز فحص ائتماني، وهو ما قد يثني العملاء الأكثر هشاشة عن الاستمرار.
المؤشر الإيجابي اليوم هو أن انتشار الحسابات الجارية في بريطانيا مرتفع للغاية؛ إذ أفادت الهيئة في بياناتها الحديثة المستندة إلى مسح Financial Lives بأن أكثر من 97% من البالغين في المملكة المتحدة كانت لديهم حسابات جارية في 2024. لكن بقاء نسبة صغيرة خارج النظام المالي الرسمي يظل مهمًا، لأن هذه الشريحة غالبًا ما تكون الأكثر عرضة للاستبعاد المالي وارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة تلقي الأجور أو المزايا الاجتماعية أو سداد الفواتير بانتظام.
ما الدلالة بالنسبة للقارئ في مصر؟
رغم أن القضية بريطانية، فإنها تطرح سؤالًا مطروحًا عالميًا، ومنه في مصر: كيف توازن البنوك بين الرقمنة والشمول المالي؟ فالتوسع في التطبيقات والمنصات الرقمية يخفض التكلفة ويرفع الكفاءة، لكنه قد يترك بعض العملاء خارج الخدمة إذا لم تُصمم الرحلة المصرفية بما يراعي كبار السن، ومحدودي المعرفة الرقمية، وأصحاب الظروف الاجتماعية أو المعيشية المعقدة. من هنا، تعكس القضية درسًا مهمًا لقطاع الخدمات المالية: النجاح لا يُقاس فقط بسرعة فتح الحساب عبر الهاتف، بل أيضًا بقدرة المؤسسة على خدمة العميل الذي لا يناسبه المسار الرقمي التقليدي.
وفي سياق شركات ونتائج الأعمال، يهم المستثمرين والمتابعين أن مثل هذه المراجعات التنظيمية قد تؤثر في تكاليف الامتثال، وقرارات الاستثمار في الفروع وخدمة العملاء، وأولويات البنوك في تصميم المنتجات للأفراد. كما أنها تمنح صورة أوضح عن الاتجاه العام للرقابة: تنظيم أكثر تشددًا تجاه جودة التنفيذ الفعلي، لا مجرد وجود المنتج على الورق.
قيادة الهيئة والرسالة إلى السوق
يقود الهيئة البريطانية حاليًا نيخيل راثي، الذي أُعيد تعيينه رئيسًا تنفيذيًا لولاية ثانية في أبريل 2025. وخلال ولايته، دفعت الهيئة بقوة نحو رفع معايير حماية المستهلك وتطبيق مبدأ Consumer Duty الذي يركز على النتائج الفعلية التي يحصل عليها العميل. وضمن هذا الإطار، تبدو مراجعة الحسابات الأساسية جزءًا من توجه أوسع يطالب البنوك بإثبات أن منتجاتها وخدماتها تصل بالفعل إلى الفئات التي صُممت من أجلها.
الخلاصة أن الرسالة التنظيمية للبنوك البريطانية واضحة: الحساب الأساسي ليس منتجًا هامشيًا، بل اختبار حقيقي لقدرة المؤسسة على الجمع بين الامتثال، والشمول المالي، وخدمة العملاء. وإذا كانت البنوك تريد الحفاظ على ثقة المنظمين والعملاء معًا، فعليها أن تجعل الوصول إلى هذا المنتج أسهل، لا أصعب.