الإقتصادي

وول ستريت تتلقى دفعة من تباطؤ التضخم ونتائج البنوك

مكاسب جديدة في الأسهم الأمريكية بعد قراءة تضخم مريحة نسبيًا

استقبلت الأسواق الأمريكية بيانات التضخم لشهر يونيو 2024 بارتياح واضح، ما انعكس على أداء مؤشري ستاندرد آند بورز 500 وناسداك اللذين تحركا صعودًا بدعم مزدوج من تباطؤ وتيرة الأسعار ونتائج فصلية قوية من البنوك الكبرى. وبحسب بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين السنوي إلى 3.0% في يونيو 2024، بينما جاء التغير الشهري عند 0.0%، وهو ما عزز رهانات السوق على أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يجد مساحة أكبر لتخفيف تشدده النقدي لاحقًا.

هذا التطور لا يخص المستثمر الأمريكي وحده؛ فأسواق الخليج والشرق الأوسط تراقب بدقة أي إشارة تخص الفائدة الأمريكية، لأن كلفة التمويل العالمية، وحركة المحافظ الأجنبية، وتقييمات الأسهم في المنطقة غالبًا ما تتأثر مباشرة بمسار الدولار وعوائد السندات الأمريكية.

لماذا ركزت الأسواق على التضخم أكثر من أي شيء آخر؟

السبب بسيط: أي هدوء في التضخم الأمريكي يعني أن الفيدرالي قد يقترب من خفض الفائدة أو على الأقل التوقف عن الإبقاء عليها مرتفعة لفترة أطول. ووفق القراءة الرسمية الصادرة في 11 يوليو 2024، سجل التضخم الأمريكي تباطؤًا ملحوظًا، مع استقرار المؤشر الشهري دون زيادة. هذه النتيجة اعتبرها المستثمرون إشارة إيجابية للأسهم، خصوصًا شركات التكنولوجيا والنمو التي تستفيد عادة من انخفاض العوائد المتوقعة على التمويل.

ومن هنا جاء التفوق النسبي لمؤشر ناسداك، الذي يضم كبرى شركات التكنولوجيا، بينما تحرك ستاندرد آند بورز 500 في الاتجاه نفسه مستفيدًا من تحسن الشهية نحو المخاطرة واتساع المكاسب إلى قطاعات أخرى، بينها القطاع المالي.

نتائج البنوك دعمت المعنويات مبكرًا

العامل الثاني الذي دعم وول ستريت تمثل في انطلاق موسم نتائج الأعمال الفصلية بأرقام أفضل من المتوقع من بنوك كبرى. وأظهرت نتائج JPMorgan Chase للربع الثاني من 2024 صافي دخل بلغ 18.1 مليار دولار، بإيرادات وصلت إلى نحو 50.2 مليار دولار، وفق المواد المنشورة على موقع علاقات المستثمرين لدى البنك. هذه الأرقام أكدت استمرار قوة أنشطة التداول والخدمات المصرفية والاستفادة من بيئة أسعار الفائدة المرتفعة نسبيًا.

أما Citigroup فأعلن في 12 يوليو 2024 صافي دخل قدره 3.2 مليار دولار، أو 1.52 دولار للسهم، على إيرادات بلغت 20.1 مليار دولار. كما أعلن Wells Fargo أن صافي دخله في الربع الثاني بلغ 4.9 مليار دولار، بما يعادل 1.33 دولار للسهم. ورغم اختلاف تفاعل الأسهم مع كل بنك على حدة، فإن الرسالة العامة التي التقطها المستثمرون كانت واضحة: القطاع المصرفي الأمريكي لا يزال قادرًا على تحقيق أرباح متماسكة رغم تكلفة التمويل المرتفعة وتباطؤ بعض قطاعات الاقتصاد.

جيمي ديمون في الواجهة

برز اسم جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة JPMorgan Chase، باعتباره الشخصية الأبرز في هذه الموجة، ليس فقط بسبب ثقل البنك في السوق، بل لأن نتائج المؤسسة عادة تُقرأ كمؤشر مبكر على صحة النشاط المالي الأمريكي. وعندما تأتي أرقام أكبر بنك أمريكي من حيث الأصول قوية، فإن ذلك يبعث برسالة طمأنة لجزء واسع من المستثمرين الدوليين، ومن بينهم مستثمرون في أسواق الخليج الذين يتابعون الأسهم الأمريكية وصناديقها المتداولة عن كثب.

ما الذي يعنيه ذلك لأسواق الخليج والشرق الأوسط؟

بالنسبة للقارئ في مصر والمنطقة، فإن المسألة تتجاوز خبر صعود مؤشرين في نيويورك. فتباطؤ التضخم الأمريكي، إذا تُرجم لاحقًا إلى خفض في الفائدة أو حتى إلى لهجة أقل تشددًا من الفيدرالي، قد ينعكس على تدفقات رأس المال إلى الأسواق الناشئة، ويخفف الضغط على العملات والتمويل الخارجي، كما قد يدعم تقييمات الأصول الخطرة عالميًا.

الأسواق الخليجية تحديدًا ترتبط بهذه التطورات عبر أكثر من قناة. أولًا، معظم عملات الخليج الرئيسية مرتبطة بالدولار، ما يجعل قرارات البنوك المركزية في المنطقة وثيقة الصلة بمسار الفائدة الأمريكية. ثانيًا، معنويات المستثمرين الأجانب في بورصات مثل السعودية وأبوظبي ودبي وقطر تتأثر بالمشهد العالمي، خاصة حين تصعد الأسهم الأمريكية على خلفية تباطؤ التضخم. وثالثًا، القطاعات المصرفية الخليجية نفسها تُقارن كثيرًا بالبنوك الأمريكية من حيث هوامش الفائدة وربحية الأعمال.

تأثير غير مباشر على النفط والاستثمار

هناك زاوية أخرى تهم المنطقة: إذا نجح الاقتصاد الأمريكي في تحقيق هبوط ناعم، أي تباطؤ التضخم من دون ركود حاد، فقد يدعم ذلك الطلب العالمي على الطاقة ويمنح أسواق النفط قدرًا من الاستقرار. وهذا مهم لدول الخليج المصدرة للخام، كما أنه ينعكس على شهية الاستثمار في الأصول الإقليمية، سواء في الأسهم أو أدوات الدين.

وفي الوقت نفسه، تبقى الصورة غير محسومة بالكامل. فالفيدرالي لا يبني قراراته على قراءة شهر واحد فقط، كما أن التضخم الأساسي وسوق العمل والأجور ستظل تحت المجهر. لذلك، فإن الارتفاع الذي سجلته وول ستريت بعد البيانات ونتائج البنوك يمكن اعتباره تحسنًا في التوقعات، لا إعلانًا نهائيًا لانتهاء معركة التضخم.

ماذا يراقب المستثمرون بعد ذلك؟

  • بيانات التضخم التالية لتأكيد أن تباطؤ يونيو ليس حدثًا عابرًا.
  • تصريحات الفيدرالي الأمريكي لمعرفة ما إذا كانت نبرة صناع السياسة ستتغير فعلًا.
  • نتائج بقية الشركات الأمريكية، خاصة التكنولوجيا والبنوك، لأنها ستحدد ما إذا كانت الأرباح قادرة على تبرير مستويات التقييم الحالية.
  • انعكاس ذلك على الأسواق الإقليمية، خصوصًا في الخليج حيث تلعب أسعار الفائدة والسيولة العالمية دورًا كبيرًا في حركة الأسهم.

خلاصة للمستثمر العربي

الرسالة الأساسية من جلسة الصعود في وول ستريت أن السوق كافأ مزيجًا نادرًا نسبيًا: تضخم أهدأ من المتوقع وأرباح مصرفية قوية. هذا الخليط يفتح الباب أمام مزيد من التفاؤل، لكنه لا يلغي الحذر. وبالنسبة لمستثمري الشرق الأوسط، فإن متابعة مؤشرات مثل ستاندرد آند بورز 500 وناسداك لم تعد مجرد اهتمام خارجي، بل أصبحت جزءًا من قراءة أوسع لحركة السيولة العالمية، واتجاهات الفائدة، والفرص والمخاطر التي قد تصل سريعًا إلى أسواق المنطقة.

في المحصلة، فإن صعود الأسهم الأمريكية بعد بيانات يونيو ونتائج البنوك الكبرى يعكس رهانًا على أن الاقتصاد الأمريكي ما زال قادرًا على التماسك، وأن دورة التشديد النقدي ربما اقتربت من نقطة التحول. وإذا ثبت هذا المسار في الأشهر التالية، فقد يكون لذلك أثر إيجابي واسع يمتد من نيويورك إلى الرياض وأبوظبي والدوحة، ويهم كذلك المستثمر المصري الذي يتابع المنطقة والعالم من زاوية العائد والتمويل والاستقرار.