الإقتصادي

يوتلسات تتجاوز التوقعات مع صعود أعمال الأقمار منخفضة المدار

يوتلسات تسجل إيرادات أعلى من تقديرات السوق

أعلنت مجموعة يوتلسات الفرنسية، إحدى أبرز شركات الاتصالات الفضائية في أوروبا والمنافسة لخدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية مثل ستارلينك، تحقيق إيرادات سنوية بلغت 1.244 مليار يورو عن السنة المالية المنتهية في 30 يونيو 2025. ويعني ذلك أن الشركة جاءت أعلى من متوسط توقعات دارت حول 1.2 مليار يورو، في إشارة إلى تحسن قدرتها على تعويض الضغوط التي يتعرض لها نشاط البث التقليدي عبر الأقمار الثابتة بفضل التوسع في خدمات الأقمار منخفضة المدار.

النتائج المعلنة من الشركة أظهرت أيضًا أن إيرادات الأنشطة التشغيلية الأساسية بلغت 1.226 مليار يورو، بينما سجلت الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك المعدلة 676.2 مليون يورو، بهامش يقارب 54.2%. وبالنسبة للمستثمرين والمتابعين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن هذه الأرقام مهمة لأنها تكشف مسار التحول داخل شركة لها حضور تاريخي في أسواق البث والاتصالات الفضائية بالمنطقة، من بينها أسواق شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

أعمال OneWeb تقود النمو داخل يوتلسات

العامل الأبرز في النتائج كان استمرار التوسع في نشاط الأقمار الصناعية منخفضة المدار LEO عبر شبكة OneWeb التابعة للمجموعة. فقد بلغت إيرادات هذا النشاط 186.8 مليون يورو خلال السنة المالية 2024-2025، بنمو سنوي 84.1% على أساس المقارنة المماثلة، لتصل مساهمته إلى نحو 15% من إجمالي الإيرادات التشغيلية.

هذا التحول ليس تفصيلاً ثانوياً؛ إذ يعكس تغيراً هيكلياً في سوق الاتصالات الفضائية العالمية. فبينما تتراجع بعض أنشطة الفيديو التقليدي تدريجياً، يتزايد الطلب على حلول الاتصال السريع والمرن للطائرات والسفن والشركات والحكومات والمناطق النائية. وهذه القطاعات بالذات تهم أسواق الخليج والشرق الأوسط، حيث تتوسع مشروعات الربط البحري والجوي، وتتعاظم الحاجة إلى بدائل اتصال عالية الاعتمادية في المواقع البعيدة والصحراوية والبحرية.

ماذا قالت الإدارة الجديدة؟

يتولى قيادة الشركة منذ يونيو 2025 الرئيس التنفيذي جان-فرانسوا فالاتشيه. وتركز الإدارة الجديدة على تعظيم الاستفادة من نموذج يدمج بين الأقمار الثابتة GEO والأقمار منخفضة المدار LEO، وهو ما تعتبره يوتلسات نقطة تمايز أساسية في مواجهة المنافسين. كما أن الشركة تقدم نفسها باعتبارها لاعباً أوروبياً ذا طابع سيادي في سوق يتزايد فيه البعد الاستراتيجي، خاصة مع تنامي الطلب الحكومي والدفاعي على البنية التحتية الفضائية الآمنة.

النصف الأول من 2025-2026 يؤكد استمرار الزخم

المؤشرات الأحدث من الشركة تدعم فكرة أن زخم نشاط LEO لم يكن مؤقتاً. ففي نتائج النصف الأول من السنة المالية 2025-2026، والتي تغطي الفترة حتى 31 ديسمبر 2025، سجلت يوتلسات إيرادات إجمالية عند 591.6 مليون يورو. ورغم تراجع الرقم المعلن بنسبة 2.4%، فإنه استقر تقريباً على أساس المقارنة المماثلة، بينما قفزت إيرادات نشاط LEO إلى 110.5 ملايين يورو بنمو يقارب 59.7% على أساس المقارنة المماثلة.

وتوضح هذه الأرقام أن محرك النمو الرئيسي بات واضحاً: الطلب على الاتصالات منخفضة المدار، لا سيما في خدمات الاتصال الثابت، والاتصال المتنقل، والخدمات الحكومية. بالنسبة لقراء مصر والمنطقة، فإن هذه المؤشرات ترتبط مباشرة بملفات مثل التحول الرقمي، ربط المجتمعات البعيدة، وخدمات الاتصال الاحتياطية للقطاعات الحساسة.

لماذا تهم هذه النتائج أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

في المنطقة، لا يدور التنافس في سوق الأقمار الصناعية فقط حول الإنترنت المنزلي، بل يشمل كذلك قطاعات أكثر التصاقاً بالاقتصاد الحقيقي، منها:

  • الطيران: الطلب على الاتصال الجوي للرحلات التجارية ورحلات الأعمال.
  • الملاحة والشحن: خصوصاً في ممرات استراتيجية مثل البحر الأحمر والخليج العربي وشرق المتوسط.
  • النفط والغاز والتعدين: حيث تحتاج المواقع النائية إلى حلول اتصال مستقرة.
  • الجهات الحكومية: مع تزايد أهمية البنية التحتية السيادية والاتصالات الآمنة.
  • خدمات البث والإعلام: وهي سوق تعرفها يوتلسات جيداً تاريخياً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ومن هذا المنطلق، فإن أي توسع في قدرات يوتلسات لا يبقى شأناً أوروبياً خالصاً، بل يمتد أثره إلى أسواق مجاورة تعتمد على الخدمات الفضائية في تشغيل قطاعات حيوية، بما فيها أسواق عربية وأفريقية.

التمويل والاستثمار: رهان طويل الأجل على الفضاء

بالتوازي مع النمو التشغيلي، تمضي يوتلسات في خطة تمويل كبيرة لدعم توسعها. فقد أكملت الشركة في أواخر 2025 جمع رأسمال بقيمة إجمالية تقارب 1.5 مليار يورو، ثم أتبعت ذلك بإتمام طرح سندات بقيمة 1.5 مليار يورو أُغلق في 5 مارس 2026. وتقول الشركة إن هذه الخطوات جزء من خطة أشمل لتمويل استثمارات تقارب 4 مليارات يورو خلال الفترة من 2026 إلى 2029.

هذه الأرقام تعكس حجم الإنفاق المطلوب للمنافسة في سباق الأقمار منخفضة المدار، وهو سباق يتطلب إطلاق مزيد من الأقمار، وتحديث المعدات الأرضية، ورفع كفاءة الشبكات. كما أن يوتلسات أعلنت تأمين شراء 440 قمراً صناعياً منخفض المدار لضمان استمرارية وتطوير كوكبة OneWeb، بما يوضح أن الشركة لا تراهن على نمو قصير الأجل فقط، بل على بناء قدرة تشغيلية أكبر خلال السنوات المقبلة.

البعد الأوروبي الاستراتيجي يعزز مكانة الشركة

من العوامل المهمة أيضاً انخراط يوتلسات في مشروع IRIS² الأوروبي، وهو مشروع للاتصال الفضائي الآمن تقوده مؤسسات الاتحاد الأوروبي. وقد مُنح عقد الامتياز في 31 أكتوبر 2024 إلى تحالف SpaceRISE الذي يضم Eutelsat وSES وHispasat، ثم وُقع عقد امتياز مدته 12 عاماً في 16 ديسمبر 2024. هذا التطور يمنح يوتلسات دعماً استراتيجياً إضافياً، ويرسخ صورتها كمكون رئيسي في البنية الفضائية الأوروبية المستقبلية.

وبالنسبة للمنطقة، يهم هذا التطور لأن الشركات المدعومة بمشروعات سيادية كبرى عادة ما تملك قدرة أكبر على الاستثمار، وعلى تقديم خدمات مستقرة للشركاء التجاريين والحكوميين عبر أسواق تمتد إلى الشرق الأوسط وأفريقيا.

هل تنجح يوتلسات في تضييق الفجوة مع ستارلينك؟

المقارنة مع ستارلينك ستظل حاضرة، لكن من الأدق النظر إلى يوتلسات باعتبارها تبني مساراً مختلفاً نسبياً. الشركة لا تعتمد فقط على كوكبة منخفضة المدار، بل تجمع بين أصول GEO التقليدية وشبكة OneWeb LEO، ما يمنحها مرونة في خدمة قطاعات متنوعة. كما أن تركيزها القوي على الحكومات، والدفاع، والاتصال المؤسسي، قد يكون أكثر ملاءمة لعدد من أسواق الخليج والشرق الأوسط من نموذج يعتمد أساساً على الانتشار الاستهلاكي الواسع.

التحدي الحقيقي سيبقى في القدرة على تحويل هذا الزخم إلى نمو مستدام في الإيرادات والأرباح، خصوصاً مع ارتفاع النفقات الرأسمالية، واشتداد المنافسة العالمية، وتسارع الابتكار في معدات المستخدمين والربط متعدد المدارات.

الخلاصة

النتائج الأخيرة ليوتلسات تشير إلى أن الشركة الفرنسية نجحت في تجاوز توقعات الإيرادات، مستفيدة من الصعود السريع لأعمال الأقمار الصناعية منخفضة المدار. ومع توسع OneWeb، وخطة تمويل بمليارات اليوروهات، ودعم استراتيجي من مشروع IRIS² الأوروبي، تبدو الشركة في موقع أفضل لتعزيز حضورها في سوق الاتصالات الفضائية العالمية.

وللقارئ في مصر والمنطقة، فإن القصة لا تتعلق فقط بمنافس أوروبي لستارلينك، بل بتحول أوسع في بنية الاتصالات التي قد تعيد رسم خريطة الربط الرقمي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سواء في النقل أو الطاقة أو الخدمات الحكومية أو الاتصال بالمناطق البعيدة.