TFG تعيد رسم خريطتها بإغلاق 180 متجرًا مع تسارع البيع الرقمي
تحول استراتيجي في واحدة من أكبر مجموعات التجزئة بجنوب أفريقيا
تمضي مجموعة TFG، المعروفة تاريخيًا باسم The Foschini Group، في إعادة هيكلة شبكة متاجرها الفعلية عبر خطة تمتد لثلاث سنوات وتتضمن إغلاق نحو 180 متجرًا، في وقت ترفع فيه الشركة رهانها على التجارة الإلكترونية والقنوات متعددة التكامل. وتأتي هذه الخطوة في قلب سوق جنوب أفريقيا، أحد أهم أسواق التجزئة في القارة، ما يجعلها تطورًا يستحق المتابعة من زاوية أسواق أفريقيا والشرق الأوسط، خصوصًا للمستثمرين المصريين المهتمين بأسهم الاستهلاك والتجزئة في القارة.
الشركة، المدرجة في بورصة جوهانسبرغ، أوضحت في نتائجها وعروضها التقديمية الأخيرة أن الأولوية باتت موجهة إلى إغلاق المتاجر الضعيفة أو الهامشية، مع خفض الإنفاق الرأسمالي على الفروع التقليدية وتوجيه الموارد نحو نموذج أكثر كفاءة يعتمد على الدمج بين المخزون والمتاجر والمنصات الرقمية. هذا التوجه أكده الرئيس التنفيذي أنتوني ثونستروم، الذي يقود المجموعة في مرحلة ضاغطة تشهد تباطؤًا في إنفاق المستهلك وارتفاعًا في تكاليف التشغيل.
لماذا تغلق TFG متاجر الآن؟
السبب الرئيسي لا يتعلق فقط بخفض التكاليف، بل بتغير هيكلي في سلوك التسوق. عرض نتائج السنة المالية المنتهية في 31 مارس 2026 أظهر أن منصة Bash التابعة للمجموعة أصبحت عنصرًا محوريًا في قصة النمو، مع وصول المبيعات الإلكترونية في أعمال TFG Africa إلى 10.2% من المبيعات عند نهاية الفترة، بعد أن كانت 8.2% خلال السنة المالية 2026، فيما سجلت الإيرادات الرقمية نموًا سنويًا بنحو 49%، وبلغ إجمالي الإيرادات الإلكترونية 3.5 مليار راند. الشركة تصف Bash بأنها اللاعب الأول في تطبيقات الموضة الإلكترونية بجنوب أفريقيا، وتعتبرها ركيزة للانتقال إلى نموذج أقل كثافة في رأس المال.
المعنى العملي لذلك أن المتجر التقليدي لم يعد دائمًا أفضل نقطة للبيع أو التوزيع. فكلما ارتفعت حصة الشراء عبر الإنترنت، زادت حاجة الشركات إلى شبكة فروع أصغر وأكثر إنتاجية، بدلًا من الإبقاء على متاجر ذات جدوى اقتصادية ضعيفة. لهذا تحدثت TFG بوضوح عن تحسين البصمة الجغرافية للمتاجر كلما تجاوزت المبيعات الرقمية عتبة 10% من الإيرادات في بعض الأسواق والقطاعات.
الأرقام المالية تفسر القرار
رغم نمو الإيرادات، فإن الربحية تعرضت لضغوط واضحة. ففي السنة المالية 2026، ارتفعت إيرادات المجموعة إلى 67.1 مليار راند تقريبًا، بزيادة 7.2%، بينما صعدت مبيعات التجزئة إلى 62.4 مليار راند بزيادة 7.1%. لكن الأرباح التشغيلية قبل مخصصات انخفاض قيمة العلامات التجارية وتكاليف الاستحواذ هبطت 22.1% إلى نحو 4.9 مليار راند. كما تراجعت ربحية السهم الأساسية 58.1% إلى 411.2 سنت، فيما انخفضت ربحية السهم الرئيسية 33.5% إلى 675.4 سنت.
هذه الفجوة بين نمو المبيعات وتراجع الربحية تكشف أن حجم الأعمال وحده لم يعد كافيًا لدعم الهوامش، خاصة مع استمرار الضغوط التضخمية وضعف الطلب الاستهلاكي في بعض الأسواق التي تعمل بها المجموعة، سواء في أفريقيا أو أستراليا أو المملكة المتحدة. ولهذا اتجهت الإدارة إلى ما تسميه استعادة العائدات عبر الكفاءة التشغيلية، وهو تعبير يعني ببساطة التخلص من الأصول أو الفروع التي لا تحقق العائد المطلوب.
من جنوب أفريقيا إلى بقية القارة: دلالة أوسع لقطاع التجزئة
بالنسبة لقارئ الأسواق في مصر، تبرز أهمية هذه القصة في أنها لا تخص شركة واحدة فقط، بل تعكس مرحلة جديدة في تجارة التجزئة الأفريقية. جنوب أفريقيا تظل أكبر أسواق التجزئة المنظمة في القارة، وأي تغيير في نماذج التشغيل لدى شركاتها الكبرى غالبًا ما يكون مؤشرًا مبكرًا على اتجاهات أوسع، من بينها:
- تسارع الدمج بين المتجر والمنصة الرقمية بدل الاعتماد على الفروع وحدها.
- زيادة أهمية سلاسل الإمداد والتنفيذ اللوجستي في رفع الربحية.
- إعادة تقييم المتاجر منخفضة الأداء بعد ارتفاع تكاليف الإيجارات والتشغيل.
- تنامي وزن المدفوعات الرقمية والائتمان الاستهلاكي داخل تجربة التسوق.
وفي هذا السياق، تبدو خطوة TFG منطقية إذا ما قورنت بالزخم الأوسع في التجارة الإلكترونية الجنوب أفريقية. فدراسة نُشرت في 2 سبتمبر 2026 من Mastercard بالتعاون مع World Wide Worx وPeach Payments وAsk Afrika توقعت أن يبلغ الإنفاق عبر الإنترنت في جنوب أفريقيا نحو 159 مليار راند خلال 2026، مع نمو سنوي يقدر بـ22.5%، وأن تمثل التجارة الإلكترونية 10% من إجمالي مبيعات التجزئة الوطنية خلال أول سنة كاملة عند هذا المستوى.
ما الذي نعرفه عن تنفيذ الخطة؟
المعطيات المنشورة خلال 2026 تشير إلى أن TFG بدأت بالفعل في تقليص الشبكة قبل اكتمال الخطة الممتدة لثلاث سنوات. ففي تحديث تداول للفترة المنتهية في 22 أغسطس 2026، قالت الشركة إن 85 متجرًا أُغلق خلال الفترة الجارية لأنها لم تعد مجدية اقتصاديًا، مقابل افتتاح 25 متجرًا جديدًا، كما أشارت إلى أن نحو 80 متجرًا إضافيًا قد تقع ضمن معايير الإغلاق خلال السنة المالية 2027. وفي تقرير آخر نُشر في 2 سبتمبر 2026، ورد أن المجموعة تخطط لإغلاق نحو 280 متجرًا في أفريقيا حتى 2029، وهو رقم أوسع زمنيًا من خطة الثلاث سنوات المتداولة في العنوان الأصلي، ما يرجح أن برنامج إعادة الهيكلة يتطور مع تغير ظروف السوق. لذلك، فإن رقم 180 متجرًا يمكن فهمه باعتباره جزءًا من مسار أوسع لتحسين الشبكة وليس بالضرورة السقف النهائي طويل الأجل.
ومن المهم هنا التمييز بين الإغلاقات الصافية وبين إعادة توزيع الاستثمار. فالشركة لا تنسحب من السوق، بل تعيد توجيه مواردها. والدليل أنها لا تزال تتحدث عن متاجر جديدة في المواقع القادرة على تحقيق عائد مناسب، بالتوازي مع الاستفادة من Bash وشبكات التنفيذ والطلب المحلي على المنتجات.
ماذا يعني ذلك للمستثمرين في المنطقة؟
الرسالة الأهم هي أن شركات التجزئة الكبرى في أفريقيا لم تعد تُقاس بعدد الفروع فقط، بل بقدرتها على تحقيق مزيج متوازن بين المتجر والبيع الإلكتروني واللوجستيات والائتمان. هذه الصيغة باتت أقرب لما تراقبه الأسواق عند تقييم شركات الاستهلاك، سواء في جنوب أفريقيا أو في أسواق ناشئة أخرى بالمنطقة.
بالنسبة للمستثمر العربي، وخصوصًا في مصر، فإن تجربة TFG تقدم درسًا واضحًا: النمو الرقمي قد يدعم الإيرادات، لكنه لا يضمن وحده تحسن الأرباح ما لم يصاحبه انضباط قوي في شبكة المتاجر والتكاليف. كما أن الشركات التي تملك منصات رقمية فعالة تصبح أقدر على امتصاص ضعف الطلب التقليدي، وهو ما يفسر تركيز TFG على Bash (@friendsofbash على إنستغرام) بوصفها أداة نمو وكفاءة في آن واحد.
خلاصة المشهد
إغلاق 180 متجرًا ليس مجرد خبر عن تقليص فروع، بل عنوان لتحول أعمق في تجارة التجزئة الأفريقية. مجموعة TFG تعيد صياغة نموذجها حول القنوات الرقمية والكفاءة التشغيلية بعد سنة مالية صعبة انتهت في 31 مارس 2026، شهدت ارتفاع الإيرادات لكن تراجع الأرباح. وبينما تنمو التجارة الإلكترونية في جنوب أفريقيا بوتيرة قوية، تبدو الشركات التي تبادر إلى تعديل شبكاتها مبكرًا أكثر استعدادًا للمرحلة المقبلة. ولهذا تظل تحركات TFG مؤشرًا مهمًا على اتجاهات قطاع التجزئة في القارة، بما ينعكس على شهية المستثمرين تجاه أسهم الاستهلاك وأسواق أفريقيا الأوسع.