TSMC تراهن على طفرة الذكاء الاصطناعي بتوسعات أريزونا
رهان طويل الأجل على الذكاء الاصطناعي
تتحرك شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات TSMC بثقة أكبر وراء موجة الذكاء الاصطناعي، بعدما أكدت أن الطلب على الرقائق المرتبطة بهذا القطاع سيظل قويًا وعلى مدى عدة سنوات. هذا التقييم لم يعد مجرد رسالة طمأنة للأسواق، بل بات ينعكس مباشرة في قرارات الإنفاق الرأسمالي والتوسع الصناعي، وعلى رأسها مشروع الشركة الضخم في فينيكس بولاية أريزونا الأمريكية.
وتأتي هذه الرسالة في وقت أصبحت فيه TSMC حجر الزاوية في سلاسل الإمداد العالمية للرقائق المتقدمة، باعتبارها المصنع التعاقدي الأهم لشركات التكنولوجيا الكبرى التي تعتمد على المعالجات المتطورة في تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة عالية الأداء، والهواتف الذكية المتقدمة.
نتائج مالية تعكس زخم القطاع
في نتائج الربع الثاني من عام 2026، سجلت الشركة إيرادات فعلية بلغت 40.2 مليار دولار، وفق بياناتها الفصلية الرسمية، كما قدمت توجيهًا لإيرادات الربع الثالث يتراوح بين 44.6 مليار دولار و45.8 مليار دولار. كذلك أشارت إلى هامش ربح إجمالي بلغ 67.7% في الربع الثاني، مع توقعات بأن يظل الهامش مرتفعًا نسبيًا في الربع التالي رغم اتساع الاستثمارات وضغوط التكاليف المصاحبة للتوسع في التقنيات الأحدث.
هذه الأرقام تعكس أن الطلب على الرقائق المتقدمة لا يزال قويًا، خاصة من قطاعات الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء، وهي المجالات التي أصبحت المحرك الرئيسي لنمو صناعة أشباه الموصلات عالميًا. وبالنسبة للمستثمر المصري الذي يتابع الأسواق العالمية، فإن هذا الأداء يوضح كيف أصبحت شركات البنية التحتية الرقمية في قلب موجة الصعود التكنولوجي، وليس فقط الشركات التي تطور تطبيقات الذكاء الاصطناعي النهائية.
أريزونا في قلب الاستراتيجية الأمريكية
أحد أهم أوجه هذه القصة هو التوسع في الولايات المتحدة. فالشركة أعلنت في 4 مارس 2025 نيتها زيادة استثماراتها في التصنيع المتقدم داخل أمريكا بمبلغ إضافي قدره 100 مليار دولار، ليصل إجمالي استثماراتها المخطط لها هناك إلى 165 مليار دولار. ويُبنى هذا التوسع على استثمار قائم بقيمة 65 مليار دولار في عملياتها التصنيعية في فينيكس، أريزونا.
ووفق الصفحة الرسمية لمشروع TSMC Arizona، تطور حجم المشروع منذ الإعلان الأول في 2020 من 12 مليار دولار إلى 165 مليار دولار، في ما تصفه الشركة بأنه أكبر استثمار أجنبي مباشر في مشروع جديد من نوعه في تاريخ الولايات المتحدة. وتشمل الخطط في أريزونا ستة مصانع رقائق، ومنشأتين للتغليف المتقدم، بالإضافة إلى مركز لفِرق البحث والتطوير.
لماذا أريزونا تحديدًا؟
اختيار أريزونا ليس تفصيلًا جغرافيًا فحسب. الولاية تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مركز رئيسي لصناعة الرقائق في أمريكا، بدعم حكومي وصناعي واسع، ورغبة أمريكية واضحة في تقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الآسيوية في أشباه الموصلات الأكثر تقدمًا. وبالنسبة لـ TSMC، فإن التوسع هناك يمنحها قربًا أكبر من كبار العملاء الأمريكيين، ويقلص المخاطر الجيوسياسية واللوجستية.
من يقود الرسالة؟
يقود هذه المرحلة الدكتور سي. سي. وي، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي للشركة. ووفق الموقع الرسمي لـ TSMC، يشغل وي منصب Chairman and Chief Executive Officer منذ يونيو 2024، بعدما كان الرئيس التنفيذي للشركة منذ يونيو 2018. وتُعد تصريحاته بشأن استمرار الطلب القوي على الذكاء الاصطناعي ذات وزن كبير في السوق، لأنها صادرة عن الشركة الأكثر تأثيرًا في تصنيع الرقائق المتقدمة عالميًا.
أهمية تصريحات وي لا ترتبط فقط بتقديرات الطلب، بل أيضًا بقدرة الشركة على ترجمة هذا الطلب إلى طاقة إنتاجية فعلية. في أسواق المال، لا يكفي وجود نمو في الطلب إذا كان المصنعون غير قادرين على التوريد. أما في حالة TSMC، فإن الرسالة الأساسية هي أن الشركة تستعد لهذه الموجة عبر استثمارات بمليارات الدولارات، وليس عبر توقعات نظرية فقط.
أثر التوسع على السوق العالمية
ما يحدث في TSMC يتجاوز حدود شركة واحدة. فكل زيادة في الطاقة الإنتاجية للرقائق المتقدمة تعني دعمًا مباشرًا لسوق الخوادم، ومراكز البيانات، ومعالجات الذكاء الاصطناعي، والسيارات الذكية، وأجهزة المستهلك المتقدمة. كما أن استمرار الشركة في ضخ استثمارات بهذا الحجم يعزز الرؤية القائلة إن الطفرة الحالية في الذكاء الاصطناعي ذات طابع هيكلي طويل الأجل، وليست دورة مضاربية قصيرة.
وفي هذا السياق، أشارت تقارير حديثة إلى أن توسعات الشركة الأمريكية الجديدة قد تشمل مصانع إضافية بتقنيات أكثر تقدمًا، مع استمرار التركيز على عقد التصنيع المتطورة التي تعتمد عليها شرائح الذكاء الاصطناعي الحديثة. كذلك أوضحت الشركة في بيانات سابقة أن الطلب من عملائها في الولايات المتحدة كان دافعًا رئيسيًا لتوسيع بصمتها الإنتاجية هناك.
وظائف وعوائد اقتصادية
بحسب بيانات TSMC Arizona، فإن أول ثلاثة مصانع ضمن المشروع ستوفر نحو 6 آلاف وظيفة تقنية مباشرة، إضافة إلى عشرات الآلاف من وظائف البناء وسلاسل التوريد. كما تشير تقديرات الأثر الاقتصادي المنشورة على الموقع إلى أن استثمار المراحل الثلاث الأولى بقيمة 65 مليار دولار يمكن أن يولد 1.4 مليار دولار من الإيرادات الضريبية لأريزونا على مدى 13 عامًا، إلى جانب 32.9 مليار دولار من المخرجات الاقتصادية.
هذه الأرقام تهم المتابع العربي والمصري أيضًا، لأنها تكشف كيف أصبحت صناعة الرقائق المتقدمة ركيزة من ركائز التنافس الاقتصادي بين القوى الكبرى، وليس مجرد قطاع تكنولوجي متخصص.
ما الذي يعنيه ذلك للمستثمرين في مصر والمنطقة؟
بالنسبة لقراء قسم الأسواق العالمية في مصر، فإن قصة TSMC تقدم أكثر من عنوان عن شركة أجنبية. هي مؤشر على أين تتجه الاستثمارات الكبرى عالميًا، وكيف تتم إعادة رسم خريطة التصنيع المتقدم. كما تعطي إشارة إلى أن شركات البنية الأساسية للذكاء الاصطناعي — مثل منتجي الرقائق والمعدات ومراكز البيانات — قد تظل من أبرز المستفيدين في الدورة المقبلة.
ومن زاوية أوسع، فإن التوسع الأمريكي لـ TSMC يسلط الضوء على تزاوج عاملين مهمين في الأسواق: الطلب التجاري القوي من شركات التكنولوجيا، والدعم الصناعي والسياسي من الحكومات الساعية لتأمين سلاسل الإمداد الاستراتيجية. هذا المزيج قد يطيل عمر الطفرة الحالية في أسهم ومشروعات أشباه الموصلات.
الخلاصة
الرسالة التي تبعثها TSMC واضحة: الطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي ما زال في مرحلة توسع، والشركة ترى أنه سيبقى قويًا لسنوات، لذلك فهي تسرع البناء والاستثمار بدلًا من الاكتفاء بمراقبة السوق. ومع إيرادات فصلية قوية، وتوجيهات مرتفعة للربع التالي، وخطة أمريكية تصل إلى 165 مليار دولار في أريزونا، يبدو أن TSMC لا تراهن فقط على نمو الذكاء الاصطناعي، بل تعمل على أن تكون المصنع الأول الذي يحمل هذه الموجة على كتفيه.
- إيرادات الربع الثاني 2026: 40.2 مليار دولار
- توجيه إيرادات الربع الثالث 2026: من 44.6 إلى 45.8 مليار دولار
- إجمالي الاستثمار المخطط في الولايات المتحدة: 165 مليار دولار
- مكونات مشروع أريزونا: 6 مصانع رقائق + منشأتان للتغليف المتقدم + مركز بحث وتطوير
- الوظائف المباشرة المتوقعة من أول 3 مصانع: 6 آلاف وظيفة